أبي الفدا
48
كتاب الكناش في فني النحو والصرف
على كاد ففيها ثلاثة مذاهب « 1 » : الأول : وهو الأصحّ ، أنّها كالأفعال إذا دخل عليها النفي كان معناها نفيا ، وإذا تجرّدت من النفي كان معناها إثباتا ، لأنّ قولك : كاد زيد يقوم ، معناه إثبات قرب القيام لا إثبات نفس القيام ، فإذا قلت : ما كاد زيد يقوم ، فمعناه نفي قرب القيام . والمذهب الثاني : أن تكون « 2 » كاد على العكس من الأفعال الماضيّة والمستقبلة ، إثباتها نفي ونفيها إثبات ، كما إذا قلت : كاد زيد يخرج ، فالخروج غير حاصل ، وما كاد زيد يخرج ، فالخروج حاصل . والمذهب الثالث : أن تكون كاد في نفي المستقبل كالأفعال تمسّكا بقوله تعالى : إِذا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَراها « 3 » لأنّه لا يستقيم أن يكون المعنى إلّا كذلك لأنه واقع بعد قوله تعالى : يَغْشاهُ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ سَحابٌ ظُلُماتٌ بَعْضُها فَوْقَ بَعْضٍ « 3 » وفي الماضي خاصة / على العكس من الأفعال نفيا وإثباتا تمسّكا بقوله تعالى : فَذَبَحُوها وَما كادُوا يَفْعَلُونَ « 4 » ووجه التمسّك أنّ فعل الذّبح واقع بلا شك ، واللفظ منفيّ ، أعني ما كاد ، والجواب : أنه محمول على أنّ حالهم كانت قبل الذّبح في التعنّت حال من لم يقارب الفعل ، فالإخبار عن نفي مقاربة الذّبح قبل الذّبح عند ذلك التعنّت ، والإخبار عن الذّبح بعد ذلك ، أي فذبحوها وما كادوا قبل ذلك يقاربون أن يفعلوا « 5 » وقد أخذ على ذي الرّمة من يرى أنّ كاد نفيها إثبات في قوله : « 6 » إذا غيّر الهجر المحبين لم يكد * رسيس الهوى من حبّ ميّة يبرح وهو أنه فهم من ذلك الإثبات وهو زوال رسيس الهوى ، والصواب حمل البيت المذكور على الصّحة ، لأنّ المعنى ؛ إذا غيّر الهجر المحبين لم يقارب حبّي التغيير
--> ( 1 ) إيضاح المفصل ، 2 / 93 وشرح الكافية ، 2 / 306 والهمع ، 1 / 132 وشرح الأشموني ، 1 / 268 . ( 2 ) في الأصل يكون . ( 3 ) من الآية 40 من سورة النور . ( 4 ) من الآية 71 من سورة البقرة . ( 5 ) إيضاح المفصل ، 2 / 63 وشرح الوافية ، 371 . ( 6 ) البيت لغيلان بن عقبة المشهور بذي الرمة ورد في ديوانه ، 78 وروي منسوبا له في إيضاح المفصل ، 2 / 95 وشرح الوافية ، 370 وشرح المفصل ، 7 / 124 وشرح الأشموني ، 1 / 268 ورواه الرضي في شرح الكافية ، من غير نسبة ، 2 / 308 .